مجمع البحوث الاسلامية
534
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أنّ قوله : وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ينفي أن يكون أحد منهم قد اتّبع قبلة الآخر ، لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف . وجوابه : أنّا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الّذين كانوا في ذلك الزّمان ، فلم يثبت عندنا أنّ أحدا منهم يتّبع قبلة الآخر ، فالخلف غير لازم . وإن حملناه على الكلّ ، قلنا : إنّه عامّ دخله التّخصيص . ( الفخر الرّازيّ 4 : 142 ) الطّوسيّ : فإن قيل : كيف قال : . . . ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وقد آمن منهم خلق ؟ قلنا : عن ذلك جوابان : أحدهما : [ قول الحسن المتقدّم ] ، والثّاني : [ قول الزّجّاج واختاره البلخيّ وقد تقدّم ] وهذه الآية دالّة على فساد قول من قال : لا يكون الوعيد بشرط ، وعلى فساد قول من قال : بالموافاة ، وإنّ من علم اللّه أنّه يؤمّن من لا يستحقّ العقاب أصلا ، لأنّ اللّه تعالى علّق الوعيد بشرط يوجب أن يكون متى يحصل الشّرط يحصل استحقاق العقاب . وفيها دليل على فساد قول من قال : إنّ الوعيد لا يقع لمن علم أنّه لا يعصي ، لأنّ اللّه تعالى علم من حال الرّسول أنّه لا يتّبع أهواءهم ، ومع هذا توعدّه إن اتّبع أهواءهم . وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال : إنّ في المقدور لطفا ، لو فعل اللّه بالكافر لآمن لا محالة ، من قبل أنّه قيل في قوله : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ . . . قولان : أحدهما : أنّ المعاند لا ينفعه الدّلالة لأنّه عارف ، والآخر أنّه لا لطف لهم فتلتمسه ليؤمنوا . وعلى القولين فيه دلالة على فساد قول أصحاب اللّطف ، لأنّ مخرجه مخرج التّنصّل من التّخليف عنهم ما يؤمنون عنده طوعا ، فلو قال قائل : وما في أنّ الآية لا ينفعهم في الإيمان لطف ينفعهم فيه لكان لا يسقط سؤاله ، إلّا بأن يقال : لا لطف لهم كما لا آية تنفعهم . [ إلى أن قال : ] وقوله : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ قيل : في معناه أربعة أقوال : أوّلها : أنّه لمّا قال : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . . . على وجه المقابلة ، كما تقول : ما هم بتاركي إنكار الحقّ وما أنت بتارك الاعتراف به ؛ فيكون الّذي جرّ الكلام التّقابل للكلام الأوّل ، وذلك حسن من كلام البلغاء . الثّاني : أن يكون المراد أنّه ليس يمكنك استصلاحهم باتّباع قبلتهم لاختلاف وجهتهم ، لأنّ النّصارى يتوجّهون إلى المشرق ، واليهود إلى بيت المقدس ، فبيّن اللّه تعالى : أنّ رضا الفريقين محال . الثّالث : أن يكون المراد حسم طمع أهل الكتاب من اليهود ؛ إذ كانوا طمعوا في ذلك وظنّوا أنّه يرجع إلى الصّلاة إلى بيت المقدس ، وماجوا في ذكره . الرّابع : أنّه لمّا كان النّسخ مجوّزا قبل نزول هذه الآية ، فأنزل اللّه تعالى الآية ليرتفع ذلك التّجوّز . وقوله : وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ قيل : في معناه قولان : أحدهما : [ قول الحسن والسّدّيّ وقد تقدّم ] وقال غيرهم : معناه إسقاط الاعتلال بأنّه مخالفة